روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

16

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

بالأحوال ، مسرورا بالجمال ، مكرما بمكارم الأخلاق ، منورا بنور الأشواق ، مخصوصا بالفكر ، ومطهرا بصفا الذكر كما قال - تبارك أسمه - إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] . فأرسله إلى الروح ، فلمّا علم بإتيانه ، استقبله فقال : « السلام على صفيّ الله ، المصبوغ بصبغة الله » . فقال : « من أنت » قال : « أنا مشرب اليقين ومحل الحنين » . فقال : « مرحبا وأهلا بمصباح الصفا ، أسرج من نور البها ، فأعطى القلب مقام الذكر بالانقطاع ، ووهب العقل مقام التدبّر بالعطا ، وأتحف الفهم مقام الاستنباط ، وأتى الضمير مقام الإدراك ، ونحل الخيال تدبير خط المكاشفات ، واقطع الوهم تصوير العلم أو الحس طلب العلوم » . * فلمّا تمكن الروح بجند الله ، وصار أميرا بأمر الله ، فأوحى اللّه تعالى إليه : « يا روح ، سر في ظلمات قهري وولاية بلائي ، كما سرت في جنان لطفي ورياض قدسي ، لأنّه من لم يذق مرارة قهري لم يعلم حقيقة لطفي ، والقهر صفة من صفاتي ، ومن عرفني باللطف ولم يعرفني بالقهر لم يعرفني حق المعرفة ، ومن شرط محبتي الدخول في درك بلائي » وقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ آل عمران : 142 ] وكما قال أحمد - عليه السلام - : البلا مؤكل بالأنبياء ، ثمّ بالأولياء ، ثمّ الأمثال ، فالأمثال وكما قال عزّ وجلّ - في التوراة « يا موسى ، من أحبني ، ابتليته » . فقال الروح : « إلهي ، وسيدي ، أين ولاية قهرك ؟ » فكشف اللّه تعالى ظلمات بعضها فوق بعض . فرأى هاوية حواليها ينبت ألوان الشهوات ، ويتفرّق فيها ألوان الهوى كما قال - عليه السلام - : « حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات » « 1 » ، ولقي شيخا سارقا خادعا متكثا على أريكة الكبر ومسند الحسد ، وبين يديه طبق فيه أنواع الخبيثات من الشهوة والغضب والبخل والحقد والبغض والعداوة والشحناء وحب الجاه والمال والمحمدة والفترة والكسل والحمق والنسيان والخيلاء والفخر والشره والبطر واللمز والهمز والجبن والجهل ، وما لا يحصى ذكرها من المكاره كما قال اللّه تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] يأكل كما يأكل البقر السمين أكلا واسعا ذريعا ، كلما نقص منها ازداد منها ، فخاطبه الروح فقال : « من أنت ومن أين أنت » فقال : « أنا من ولاية المخالفة ،

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة وصفة نعيمها . . ، حديث رقم ( 2822 ) [ 4 / 2174 ] ورواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء حفت الجنة . . ، حديث رقم ( 2559 ) [ 4 / 693 ] ورواه غيرهما .